الخميس، 25 فبراير 2010

فيلم "أغورا" بطولة د.(هيباتيا) الخطيب!

بسم الله الرحمن الرحيم




      فيلم "أغورا" للمخرج الإسباني أليخاندرو أمينابار أثار ضجة كبيرة فهو يعتبر من أكثر الأفلام إثارة للجدل لاسيما في الأوساط المسيحية، قام بدور البطولة الممثلة رايتشل وايز، الفيلم يحمل معانٍ خطيرة أحسن معالجتها مخرج العمل ولكن تبقى مشكلة الأفلام التاريخية في المصداقية ومقاربتها لحقيقة الأحداث، ولعلماء التاريخ هنا الرأي الفصل.
      آتمنى أن يكون قارىء هذا المقال قد سبق وشاهد الفيلم.

ملخص قصة الفيلم:

            تدور أحداث الفيلم في نهاية القرن الرابع الميلادي وتحديداً سنة ٤٩٣م،  في الإسكندرية عندما كانت جزءً من الحضارة اليونانية الكبيرة، حينها كانت عبادة الأوثان هي الدين السائد بجانب الدين اليهودي، ولكن في تلك الفترة الزمنية بدأ الدين المسيحي بالظهور وقد تشيع له الفقراء والمساكين بإقبالٍ شديد، وذلك لأن التبشيريين المسيحيين كانوا يعينون هؤلاء المحتاجيبن ويتولون قضاء حوائجهم الأساسية لاسيما الطعام والشراب، ولأن المساكين كانوا غالبية المجتمع فقد صار المسيحيون هم غالبية المجتمع في وقتٍ قياسي.
      لم يشعر الوثنيون بإقبال الناس على المسيحية والسبب أن أغلب المسيحيين كانوا من طبقة العبيد، والوثنيون كانوا هم السادة، لذلك كان المسيحيون يخفون تنصرهم خوفا من بطش الوثنيين الذين لم يتوانوا في إنزال العذاب القاسي بمن يتجرأ ويشهر استنصاره.
      عندما بلغ بطش الوثنيون أشده، وبدؤوا هجمة ثائرة لاقتلاع المسيحيين الذين آصبح لصوتهم صدى، انقلب السحر على الساحر، واستطاع المسيحيون صد هجمتهم بل ومحاربتهم في حرب مكشوفة في المدينة، حتى هزموهم شر هزيمة ، هكذا دارت بينهم حرب طائفية دامية واستطاع المسيحيون طرد الوثنيين من مكتبتهم المقدسة والإستيلاء عليها بل وحرق كتبها القيمة. تطور الأمر بعد بضع سنين وأصبح الدين المسيحي هو الدين الرسمي في الإسكندرية.
في هذه الأثناء كانت الفيلسوفة والعالمة في الفلك والرياضيات والمفكرة (هيباتيا) تقيم حلقات الدرس وتثقف طلابها بأنواع العلوم، تلك المعلمة النقية التي آثرت الزواج من العلم حتى قضّت بكرا رافضة كل ما من شأنه أن يلهيها عن هدفها الأول وشغفها بالحياة وهو العلم..أو الفلسفة إن شئنا الدقة، تلك المعلمة كانت محط احترام وحب كل طلابها باختلاف مشاربهم الدينية والعقائدية، فقد ربتهم على المساواة بينهم، بل وكانت تساوي نفسها بهم أيضا، ويتضح ذلك في مقولتها التي علمتها للطلاب ((إذا كان الأول يساوي الثاني، والثاني يساوي الثالث، فهذا يعني أن الأول يساوي الثالث)) وهكذا فالكل متساوٍ في حلقتها الدراسية، وعندما قامت الحرب بين الوثنيين والمسيحيين وقفت وتلاميذها موقف المحايد المتفرج الآسف، فقد علمتهم أنهم أخوة مهما كانت أديانهم، وأن لغة القتل والدم هي لغة السوقة والرعاع والجهلة.
      بعد أن طرد الوثنيين وتقهقر حالهم، وبالغ المسيحيون في تطرفهم، اندلعت الحرب بين المسيحيين واليهود، فالمتطرف دينياً لا يقوى على احترام عقيدة غيره، ولا التعايش معه، لذا ونتيجة فارق القوى، أباد المسيحيون اليهودَ عن بكرة أبيهم واقتلعوا شوكتهم من دون رحمة، فقتلوهم أينما ثقفوهم وطردوا المهزومين منهم من الإسكندرية أذلة خاسئين. عندها ولأسباب سياسية بحتة كانت مصلحة الأسقف ضرب محافظ المدينة، وهو عاشق (هيباتيا) ومتيمها، بل كان آحد تلامذتها والذي لا يرد لها طلباً ولا يجادل لها آمرا ولا يخالفا بفكرة أو رأي، لهذا رأى الأسقف أن أسهل طريقة لضرب المحافظ الذي ينافسه بالسلطة هي ضرب (هيباتيا) فقام بإسقاطها باسم الدين بل وأطلق عليها لقب الكافرة والساحرة أو المشعوذة، وأهدر دمها بسهولة، لأنها قبل كل شيء امرأة! والمرأة لا يجدر بها التعليم والتفكر - حسب رأيه طبعا - ، ولأنها ببساطة ملحدة لا تعبد أي رب وهي تجاهر بإلحادها بل وتصرح أنها تعبد الفلسفة.
      وفي النهاية يقوم المسيحيون المتطرفون باعتقال (هيباتيا) وتجريدها من ثيابها ورجمها حتى الموت..في مشهد يغلب فيه قوة الحيوان على منطق الإنسان..مشهد بشع يؤلم يصدع القلب ويخنق الصدر، وهكذا قتلت (هيباتيا) ورحلت شهيدة للعلم. 
      تجدر الإشارة إلى شخصية (دافوس)، وهو عبد (هيباتيا) المغرم بها، والذي اعتنق المسيحية وافترق عن (هيباتيا) بعد الحرب التي دارت بين المسيحيين الوثنيين، ولعل أهم ما قام به (دافوس) كان خنق (هيباتيا) قبل رجمها حتى أغمي عليها - أو لعله حتى فارقت الحياة - وذلك حتى ينقذها من عذاب الرجم  ويجعل موتها أرحما إن صح التعبير.

دلالة العنوان:

            "أغورا" هي ساحة في أثينا بالتحديد، وكانت هذه الساحة ملتقى المتكلمين والمفكرين، وفيها تدور المناقشات والمطارحات الفكرية في شتى المجالات والعلوم والآداب بكل حرية. أي أنها أشبه بسوق عكاظ الجاهلية وهايد بارك لندن حاليا.
          أما اختيار هذا الإسم فأراه دعوة إلى النقاش الحر والإبتعاد عن التعصب والتطرف، كأن المبدع هنا يقول أن نقاشات "أغورا" هي لغة الحوار المنشودة، أما لغة الدم والسيف فانظروا إلى تبعاتها في الفيلم، عندما يخالفك عقلٌ بكرة فاثبت له فكرتك بعقلك لا بعضلاتك، ولكل فكرة حق الطرح.
         ولعل السؤال الذي يطرح هنا: كيف يختار المبدع ساحة "أغورا" التي تقع في أثينا عنوانا لفيلم تدور أحداثه في الإسكندرية؟ والجواب كما أعتقد أن المبدع لا يرى لـ"أغورا" مكان محدد ولا زمان محدد حتى، أي على طريقة (كل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء) - والأمثلة تضرب ولا تقاس - ، فهو إسقاط صارخ على الواقع المر الذي نعيشه في ظل الإرهاب الناتج من التطرف الديني الأعمى.
       بهذا الفهم ينتج ناتج لطيف، أن المقصود بالرسالة في هذا العصر ليسوا المسيحيين ولا الوثنيين، إنما هم المسلمون المتطرفون والذين يراهم العالم اليوم أنهم مصدر الإرهاب الأول في أصقاع العالم الشرقي والغربي، سواء عمليات القتل في غير دول المسلمين في أمريكا وأوربا ،أو في دول المسلمين في أفغانستان وإيران والعراق والخليج (وآخر هذه العمليات التفجير في زوار الحسين عليه السلام).

علاقة رجال الدين بالعلم:
   
      يتطرق الفيلم إلى مناقشة علاقة رجال الدين بالعلم، والذي تنتهي أحداثه بإصدار حكم الإعدام من أكبر شخصية دينية في ذلك الوقت لأعظم شخصية علمية آنذاك، ولعل ما يشكر للفنان هنا أنه يهاجم رجال الدين لا الدين نفسه - وسنناقش هذه النقطة لاحقا -  على عكس أفلام أخرى ناقشت علاقة الدين بالعلم عامة مثل فيلم "ملائكة وشياطين".
      فيصور  المبدع هذه العلاقة بينهم وبين العلم بأبشع الصور كأن رجال الدين متأخرين عن العلم ولا يهتمون إلا للناحية الروحانية من الدين بل ويكتفون بتعاليم دينهم على أنها المصدر الوحيد للعلم، ويتجلى هذا في أحد المشاهد الذي يتناقش فيه مسيحيان عن حقيقة شكل الأرض بين التسطح والتكور، فيبتدآن بطرح فكرة بطليموس في كروية الأرض وينتهون بأن الكتاب المقدس ينص على أن الأرض مسطحة فالإعتقاد بغير ذلك باطل! وهذان المسيحيان كانا من الخواص المتطرفين والمقربين من الأسقف.
      ولعل أقوى حالة اصطدام كانت بين أحد القسيسين والعالمة (هيباتيا) عندما قالت له أنك تؤمن بشيء دون أن تشك فيه أبدا أما أنا فيجب علي أن أشكك بكل شيء، وهنا يضع الفيلم يده على منطقة الخلاف العظمى بين رجال الدين والعلماء المفكرين.
انتصاراً  للمرأة:

      لعل آخر فيلم شاهدته ينتصر للمرأة بهذه القوة كان "شيفرة دافنتشي" الذي تناول فكرة الأنثى المقدسة، والذي يحاول أن ينصر المرأة باسم المسيحية، أما هذا الفيلم فقد ذهب إلى أبعد من ذلك، فهو بالإضافة على أنه ينتصر لها بإظهار قدرات أكبر فيلسوفة بالتاريخ الأوروبي وتبيان ذكائها الخارق الذي مكنها من استنتاج الشكل الإهليليجي للأرض فكانت أول من اكتشف ذلك - على ذمة الفيلم - والتي ملكت قوة إيمان بعلمها وفلسفتها ومبادئها وقابلت الدنيا بعنادها (الأنثوي) حتى آنها آثرت الموت على التبري منها، بالإضافة إلى كل ذلك فالفيلم في أحد مشاهده ينتقد بصراحة نصا في الكتاب المقدس والذي يوضح أنه لا ينبغي على المرأة أن تُعلّم، كما أن الأسقف في المشهد يضيف رأيه في التحقير من قدرات المرأة من فهمه للتعاليم المسيحية، وهذا هو النص من الكتاب نفسه المترجم للغة العربية:




      ولمن يحب أن يراجع المصدر فهو كتاب "الدسقولية" وهذا غلاف الكتاب: 


دعوة للنظام العلماني:

      عند مشاهدة طريقة تولي الأسقف للحكم بتعسف والتطرف مبالغ، نلمس دعوة واضحة للنظام العلماني أو ما يسمى نظام فصل الدين عن الدولة، وهنا تذكرت كلام الدكتورة ابتهال الخطيب في أكثر من مقابلة لها عن ضرورة فصل الدين عن الدولة للحفاظ على حقوق الأقليات في المجتمع، تلك الأقليات التي يمثلها اليهود في الدولة المسيحية بالفيلم، أو المسيحيين في الدولة الوثنية، يبين الفيلم أنه من الخطر تولي رجل الدين للحكم لسببين الأول ضياع حقوق الأقليات المنتمية لديانات أخرى بالشعب والسبب الثاني أن فهم النص الديني يختلف من إنسان إلى آخر، فهنا يبين الفيلم بشكل مغيض كيف يقوم الأسقف بقراءة جملة من الكتاب المقدس يفسرها بخطبة كاملة على هواه لا تمت تلك الجملة بصلة، فيقوم بشحذ النفوس المريضة ضد اليهود ليتوجهوا إليهم والشرار يتطاير من عيونهم غضبا عليهم..لأنهم يعتقدون أن المسيح يأمرهم على لسان هذا الأسقف (وهنا يتضح نقد الفيلم لرجال الدين أي للتفسير لا النص).
      لو لم أكن متأكدا أن مخرج الفيلم الإسباني أليخاندرو أمينابار لاعتقدت أن من أخرج الفيلم هو الدكتورة ابتهال الخطيب التي تدعوا للنظام العلماني .


صرخة: لاحظت في تحليلي استخدامي لروايتي دان براون كما استخدمت إحداهما من قبل في مقال آخر وهذا يبين خلفية الناقد المقبل على النص وأنه لا يقبل بريئا كأنه صفحة بيضاء، بل يقبل عليه بخلفية تحدد فهمه للنص، وهنا أشعر كل يوم أن كلام أستاذي الدكتور أحمد الهواري  - الذي درسني مقرر النقد الحديث - يتضح أكثر فأكثر، فضلك علي يا أستاذي القدير لا يقيسه مقياس ويعجز اللسان عن أن يشكرك.

      

السبت، 20 فبراير 2010

قراءَتي لـ"أفاتار"

بسم الله الرحمن الرحيم

      "أفاتار" بدعة جايمس كاميرون الجديدة، هذا الفيلم الذي ملأ الدنيا وشغل الناس (مع حفظ القداسة للمتنبي)، شاهدته أول مرة فأذهلني فشاهدته المرة الثانية فأبهرني وفتح أفقي..وما أجمل العمل الأدبي إذا فتح لك باباً وأبواباً للتفكير والتأمل والتفسير والتحليل، فالعمل الهابط أو المتوسط قد يجبرك على نقده نقداً تقويمياً أما العمل المتميز والذي يمتلك صاحبه ملكات الإبداع بتميز فإنه يحملك على نقده نقداً تفسيرياً وأنت منتشٍ. هنا أحببت أن أسقط إضاءاتي المتواضعة على هذا العمل السينمائي المثير للجدل والذي لا يزال مستمراً في تحطيم الأرقام القياسية في إيراداته المالية ، حتى أصبح الفيلم الأغنى في تاريخ السينما، أتمنى من قارئ هذه المقالة أن يكون سبق وشاهد الفيلم.


       ملخص قصة الفيلم:

      فيلم الخيال العلمي "أفاتار"، تدور قصته في المستقبل البعيد وتحديدا سنة 2154م حيث يتجه البشر أو الأمريكان على وجه التحديد إلى كوكب "باندورا" بعد أن نفدت مصادر الطاقة في كوكب الأرض ليمتصوا مصدرا غنيا للطاقة في هذا الكوكب، عندها يتصادمون بسكان الكوكب الأصليين "النافي" تلك المخلوقات الزرقاء فارعة الطول والتي تشبه البشر إلى حد كبير؛ حتى أن البشر استطاعوا أن يتواصلوا معهم ويفتحوا لهم المدارس ويعلموهم اللغة الإنجليزية كما تعلم البشرُ لغتَهم. التصادم كان نتاج طمع البشر بالطاقة التي تقبع تحت أراضي النافي والمكنونة في طبيعتهم المقدسة والتي يرتبطون معها ترابطا ماديا ومعنويا وثيقا حتى أنهم يتبادلون معها التواصل والشعور، قوة السلاح البشري كانت ضد الصمود العقائدي للنافي، هذا الصمود الذي يقدس طبيعته ويتعايش ويتواصل معها جعلهم يحاربون البشر بواسطة أسلحة بدائية كالسهام والخناجر، بل وينتصر النافي في النهاية بمدد من إلههم "أيوا" والذي يتمثل في الطبيعة وبشجرة معينة على الأخص.


      بطل الفيلم جاك سولي والذي يمثل شخصيته الممثل سام وورثنغتون، جندي بحرية سابق، شلت رجلاه في تفجيرٍ ما، ينتقل لكوكب باندورا ويكلف في مهمة وهي التعرف على النافي عن قرب بعد أن يتقمص هو مخلوقا مستنسخا من خليته ومطورا بالوسائل العلمية في علم الوراثة المتطور ليكون أفتاراً أي مخلوقا مطابقا لمخلوقات النافي، والهدف من التعرف بهذه المخلوقات هو سحب المعلومات اللازمة للتعرف على مصادر الطاقة التي يطمع بها الأمريكان ثم الهجوم عليها مهما كلف الأمر، ولكن تعلقه بإحدى إناث هذه المخلوقات جعل عقله يتفتح وضميره يصحو وموقفه يتبدل فينتقل من الحزب الإول إلى الثاني ويتحول من موقف الهجوم إلى الدفاع عن النافي والطبيعة.

 
      الكوكب "باندورا":

      جمال هذا الكوكب المتمثلة في طبيعته الأخاذة بل الخيالية بمعنى الكلمة جعلت ذكريات نظرية أرسطو للمحاكة تقع على رأسي كالصاعقة، فمن جملة أفكار أرسطو في المحاكاة أن المحاكاة ففي الفن ليست تجسيدا للواقع بل الإضافة عليه وتكميل النقص فيه بل وإضافة اللمسات التجميلية من إبداع الفنان المبدع عليه، وهذا تماماً ما قام به المخرج بمساعدة التكنالوجيا الحديثة بطريقة تصوير الفيلم، ألوان الأشجار والحيوانات الفسفورية، الحرباء تطير بجناح يدور كأنه جناح مروحية ليضيء أنوارا ملونة كالألعاب النارية! ركوب التنين فضلا عن ركوب الخيل! جبال معلقة في السماء! إنها تحفة لا كعين رأت..في شاشة، فعلا..اللسان يعجز عن الوصف والبركة كل البركة في تقنية الثلاثة أبعاد.

 
      الرؤية العربية:
      أول ما تبادر في ذهني وأنا أتابع أحداث الفيلم التي تتسلسل كما أشتهي أن الفيلم يوجه انتقادا صارخا للسياسة الخارجية للحكومة الأمريكية، فالأمريكان في الفيلم يتوجهون لأرض ليست بأرضهم ليستولوا على مصادره للطاقة وثرواته الطبيعية بأعذار تقال من باب التظَرُّف وإلقاء النكتة! واضح جدا أن الأمريكان هم الأمريكان وأن النافي المظلوم المغتصب المحتل هم نحن العرب وأن مصدر الطاقة هو نفطنا الغالي الحبيب لاسيما أن الحجر الذي يسعى إليه الأمريكان بالفيلم لونه أسود أيضا! وما يثبت الفكرة كلمة البطل جاكي سولي عندما يقول ساخطا كلمة معناها أنه عندما يكون الناس جالسون على أشياء نريدها يصبحون أعداءنا! (أول ما سمعتها قلت لا إراديا طريقة الأخوان الإيرانيين "مرد مرد أمريكا"). لكن اتضح لي لاحقا أن الموضوع أكبر من هذا وأن المخرج مستحيل أن يقصد هذا المعنى بالذات ولوحده، لاسيما أن تاريخه يشهد له بنظرته الكارهة السوداء للعرب في فيلمه "أكاذيب حقيقية" الذي أخرجه سنة 1994م وكان من بطولة الممثل أرنولد شوازنيجر، والذي يصور فيه العرب (المقاومة الفلسطينية خاصة) على أنهم إرهابيون مما أثار ردودا عنيفة من النقاد العرب، نعم (هاردلك) خُدِعنا كما خَدعنا دان براون في شفرته التي وضحت لنا لاحقا أنها دعوة صهيونية محضة. لكن المقبول هنا أن نقول أن الرسالة كانت ضد الجشع الإنساني والسياسة الأمريكية الخارجية بشكل عام (ليس حبا لمعاوية بل بغضا لعلي)، لا حبا بالعرب ولكن كرها لهذه السياسة، وباعتقادي الشخصي أن هذه السياسة لو لم تطبق إلا على العرب لما وجدنا لهذه الرسالة أثر في الفيلم.

 
      قالب بالٍ لمضمونٍ شديد العمق:

      أتذكر كلام ابن قتيبة الدينوري، العالم والناقد من القرن الثالث، والذي قسم الشعر من حيث الجودة على أساس اللفظ والمعني فما جاد لفظه ومعناه هو الأحسن وما ساء لفظه ومعناه هو الأسوء وما حسن منه عنصر دون الآخر يعتبر في الوسط، ولو كان هذا العمل السينمائي قصيدة لقلت أن اللفظ (القالب) سيء، والمعنى (المضمون) جيد.. على طريقة صاحبنا الدينوري.

 
      فالقالب الروائي أو الحبكة الدرامية التي استعملها كاتب الفيلم أستخدمت حتى الإهتراء، فقصة البطل المقاتل الذي يقاتل فئة معينة ثم تضطره الظروف إلى أن يحتك بهذه الفئة ويعاشرها ثم يقع في غرام ابنة رئيس القوم في هذه الفئة مما يجعله يتعاطف معها ويقوم بالذود عنها والقتال بجانبها ضد جماعته الأولى أو حزبه الأول، هذا السيناريو رأيناه كثيرا وأقرب ما يخطر في بالي حاليا هو فيلم "الساموراي الأخير" الذي أصدر سنة 2003م بطولة الممثل توم كروز وإخراج أدوارد زويك، كما نجدها في فيلم ديزني الكارتوني "بوكاهانتس" وغيرهما الكثير. وقد أحسنت الأستاذة ثرية البقصمي في توصيف هذه النقطة في مقالها عن الفيلم والذي نشر في جريدة الراي تحت عنوان ("آفاتار" واليد الخفية).


      أما المعنى فقد تحسسته بداية أثناء مشاهدة الفيلم، عندما رأيت الإنسان (يتحول) بكل ما تعنيه الكلمة من معنى إلى مخلوق آخر، هذا المخلوق الذي لديه قيم يؤمن بها إيمانا عميقا يفوق إيمان الإنسان بمعتقداته أحيانا كما أن لديه قدرات أقوى من قدرات الإنسان، فهو أقوى منه بدنيا كما أنه يستطيع التواصل مع الطبيعة ماديا بواسطة الذيل الذي يمكنه الإتحاد مع عناصر الطبيعة، ومعنويا أيضا بتبادل المشاعر بل وتخزين الذكريات في هذه الطبيعة خاصة مع الشجرة المقدسة أو الإله "أيوا" حتى أنه يندمج في هذا الإله إندماجا كليا بعد موته! ألا يعد هذا مألوفا بعض الشيء؟ تطور الإنسان إلى مخلوق أفضل منه ثم إندماجه مع الإله "وحدة الوجود"! نعم يا عزيزي إنه التناسخ.

     إذا توغلنا في دلالات الفيلم بمنهج سيميائي واستطعنا كشف النقاب عن رموزه تتضح الرؤية بشكلٍ كبير، أولا في الدلالة السيميائية للعنوان "أفاتار" نجد أنها كلمة سنسكريتية، واللغة السنسكريتية هي لغة هندية قديمة، والأهم من هذا أنها لغة طقوسية للهندوسية، والبوذية، والجانية. ومعنى الكلمة بهذه اللغة هو تجسيد الإله أو تجسد أو حلوله في جسد طبقا للعقيدة الهندوسية. وهكذا نستطيع أن نقول الآن أن (الكتاب واضح من عنوانه!) ويتضح هذه المعنى في الكلمة التي يكررها جاكي سولي في الفيلم وهي "حياة تنتهي وأخرى تبدأ" وكأنه يتكلم بلسان راهب هندوسي، وقد كرر هذا المعنى كثيراً حتى أنه رأى في الأخير أن حياته بالأفاتار هي الحياة فعلا وعندما يعود لواقعه فإنه يحلم! وفي نهاية الفيلم يتحول أو يتطور تماماً وينتقل من مستوى إلى آخر أرفع منه.


      ننتقل إلى كلمة "باندورا"، وهو اسم الكوكب الذي تدور عليه أحداث الفيلم، وقد استعنت في البحث عنها بالباحث الأعظم والمحيط على أفكار العباد المرجع الأكبر سماحة "قوقل" أدامه الله، فاتضح لي العجب، والعجيب هو الإستعمال السهل الممتنع لهذا الرمز، فأقل إطلاع على التراث الإغريقي يوضح الدلالة، هو في الحقيقة هو رمز صارخ من الرموز الإغريقية القديمة فهو اسم أسطورة صندوق باندورا، ولا أريد أن أسهب في شرح هذه الأسطورة المسيئة للمرأة بشكل فاحش لا تطيقه النفس بل سأكتفي باقتناص ما نحتاجه هنا، فباندورا هي أول امرأة خلقتها الآلهة اليونانية وفي الحقيقة اسمها مركب فهي بان-دورا (أي التي منحت كل شيء) دلالةً على جمالها لا المتناهي، وأما صندوقها فهو الصندوق الذي يحتوي على كل الشرور في العالم من الطمع والقتل والجوع..إلخ، ولم يفترض من باندورا فتح الصندوق لكنها فعلت وأغلقته بعد أن فات الأوان وانتشرت الشرور في بقاع العالم ولم يبق في الصندوف إلا الرجاء أو الأمل فصار هذا الصندوق هو رمز الأمل ، وبالمناسبة فإن الآلهة خلقت باندورا والصندوق للإيقاع بـ"برومثيوس" الذي نقل النار للبشر، فكان هذا الصندوق هو عقابا له وللبشر كلهم، فنجد الأمريكان مدججين بالسلاح الذي يعتمد على النار يتجهون إلى كوكب باندورا للبحث عن أملهم وهو تلك الطاقة المتكونة في حجر أسود. (لم أود أن أقول الحجر الأسود بأل التعريف حتى لا تفهم معانٍ ما أنزل الله بها من سلطان).


      أما الفكرة الأخيرة (من أفكار المقال طبعاً) نجدها في شخصية الـ"توروك ماكتو" وهو المخلص، فكرة المخلص موجودها في جميع الأديان تقريبا، المهدي المنتظر عند المسلمين أو المسيح عند المسيحيين أو "كالكي أفاتار" عند الهندوس! نعم "كاكي أفاتار"، ويعتقد الهندوس أنه في نهاية العالم سوف تتنزل أفاتارات وهي الآلهة على شكل إنسان أو حيوان أو نبات، وقد أبدع الفيلم في خلق شخصية أفتار التي تجمع صفات الإنسان بالهيئة والعقل والحيوان في الملامح واللون والنبات في الطول.

 
      دعوة للحفاظ على البيئة..فقط!!

     إذاً نجد خليطا بين الأساطير الإغريقية والمعتقدات الدينية تتلاحم بشكل محبوك لتشكل رسالة أو توجيه إلى عقيدة ومن السذج ربما القول أن هذه العقيدة ليست إلا استخدام كوسيلة للرسالة الجلية للعيان والتي هي ببساطة (حافظوا على البيئة) ولعل أحد مشاهد الفيلم تبرز هذه الرسالة عندما يخاطب البطل جاكي سولي الشجر المقدسة "أيوا" ويطلب منها المدد في حربه حيث يبين لها أن هؤلاء قوم قتلوا أرضهم الخضراء وحولوها إلى رماد فلا تسمحِ لهم بأن يعيدوا الكرة هنا وساعديني في حربي ضدهم، وقد استجابت "أيوا" دعاءه.

 
      الخلاصة:

      أعتقد أن الفيلم في ظاهره انتقادا للسياسة الأمريكية أولا، ودعوة للحفاظ على البيئة ثانياً، وثالثاً وهو الأهم أن الفيلم يهدف إلى تقوية علاقة الفرد بالإله بل قد يرغب المشاهد في الإندماج به بشكل أو بآخر، ولكل متدبر فهم وقراءة خاصة، والمهم في النهاية أن نستفيد من المضامين الجميلة في كل عمل بما يتناسب مع توجهاته الفكرية الخاصة ولا أعتقد أن صاحب الفكر يُسَلم نفسه ومصيره للمبدع بصورة مطلقة.

 
      ملاحظة: استفدت من تحليل للفيلم بقلم أسامة صفار من موقع للجزيرة الوثائقية في التعرف على العلاقة بين الأفاتار والعقيدة الهندوسية، وأنصح بالرجوع إليه للإستزادة.